كل المقالات
أدب

الأمل في الشعر العربي: من المتنبي إلى الشافعي

الأمل في الشعر العربي: من المتنبي إلى الشافعي

حين تثقل الأيّام، نعود إلى الشعر العربي كما نعود إلى نافذة مفتوحة في غرفة مغلقة. فيه من الحكمة ما يُداوي القلب، ومن الأمل ما يُعيد للروح توازنها. الشعراء العرب لم يكتبوا فقط للجمال، بل كتبوا ليُذكّرونا أنّ الإنسان أكبر من ظروفه، وأنّ الأمل ليس ترفًا، بل ضرورة بقاء.

نبدأ بأبي الطيّب المتنبي، شاعر العزّة والكبرياء. في زمن كان يُحاصره فيه التعب من كلّ جانب، كتب بيتًا لا يشيخ مهما مرّت القرون:

«وإذا كانتِ النفوسُ كبارًا … تعبت في مرادها الأجسامُ»

تأمّلي هذا البيت قليلًا. المتنبي لا يُنكر التعب، بل يُعيد تعريفه. التعب هنا ليس عيبًا ولا فشلًا، بل ثمن طبيعي لنفس تطمح إلى ما هو أجمل وأعلى. كأنّه يهمس لكلّ من يحمل حلمًا كبيرًا: لا تخجلي من تعبكِ، فهو دليل على عظمة ما تسعين إليه، لا على ضعفكِ.

وللمتنبي بيت آخر يُعطي القلب جرعة من العزيمة:

«على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ … وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ»

كأنّه يُربّت على أكتافنا قائلًا: لا تُصغّري حلمكِ، فالحياة تُعطي بقدر ما تحملين من نيّة وعزم. كلّما اتّسع قلبكِ للحلم، اتّسعت الدنيا لتُسلّمكِ ما تستحقّين. هذا البيت وحده يستحقّ أن يُعلَّق على جدار المكتب، أو يُكتب في صفحة المفكّرة الأولى.

ننتقل إلى الإمام الشافعي رحمه الله، فقيه الأمّة وشاعرها الحكيم. شعره يختلف عن المتنبي؛ هو شعر الطمأنينة، لا شعر التحدّي. فيه يدُ أبٍ حنون تأخذكِ بلطف وتقول: تعالي، اجلسي، الأمر أبسط ممّا تظنّين.

يقول رحمه الله:

«دعِ الأيامَ تفعلُ ما تشاءُ … وطِبْ نفسًا إذا حكمَ القضاءُ»

بيتٌ بسيط الكلمات، عميق المعنى. الشافعي لا يدعونا للاستسلام، بل يدعونا للسلام الداخلي. الفرق دقيق وجوهري: الاستسلام أن تتوقّفي عن المحاولة، أمّا السلام فأن تستمرّي في المحاولة دون أن تسمحي للنتائج بأن تسرق طمأنينتكِ.

وله بيت آخر، أحبّه كثيرًا، وأرجع إليه كلّما ضاقت بي الدنيا:

«ولرُبَّ نازلةٍ يضيقُ بها الفتى … ذرعًا، وعندَ اللهِ منها المخرجُ»

كم مرّة شعرنا أنّ الباب موصد، وأنّ لا حلّ في الأفق؟ ثم، فجأة، يُفتح باب لم نكن نتوقّعه أصلًا. هذا البيت يُذكّرنا بحقيقة بسيطة وعميقة: ضيق رؤيتنا ليس ضيقًا في الواقع. ما نراه نهاية، قد يكون في حقيقته بداية مُتنكّرة.

وللشافعي أيضًا حكمة في الصبر تستحقّ التأمّل:

«ضاقَتْ فلمّا استحكمتْ حلقاتُها … فُرِجتْ، وكنتُ أظنُّها لا تُفرَجُ»

هذا هو سرّ الأمل في تراثنا الشعري: أنّ أشدّ اللحظات حلكةً هي عادةً اللحظات التي تسبق الفجر. حين تشعرين أنّ الحلقة قد ضاقت تمامًا، اعلمي أنّ الفرج قد اقترب، حتى لو لم تستطيعي رؤيته بعد.

هذه الأبيات ليست مجرّد كلمات قديمة كُتبت في زمن مضى. هي رفقة لطيفة، تمشي معنا في كلّ وقت ضيق، وتُذكّرنا أنّ الأمل ليس شعورًا عابرًا يأتي ويذهب مع المزاج، بل قرار نتّخذه كلّ صباح، تمامًا كفنجان قهوة هادئ نختاره لأنفسنا.

احفظي بيتًا واحدًا منها، ردّديه حين تثقل عليكِ الأيّام، وستجدين أنّ الكلمة الصادقة، حين تأتي من قلب صادق، تملك من القوّة ما يكفي لتحريك جبل الحزن عن صدرك.